سيد محمد طنطاوي

180

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وبعد هذا الحديث المشتمل على أشد صنوف الترهيب من الكفر ، وعلى بيان سوء عاقبة الكافرين ، أتبعه بالحديث عن الطريق الذي يوصل المؤمنين إلى رضا اللَّه وحسن مثوبته فقال - تعالى - : * ( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ، وما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّه بِه عَلِيمٌ ) * . تنالوا : من النيل وهو إصابة الشيء والحصول عليه . يقال نال ينال نيلا ، إذا أصاب الشيء ووجده وحصل عليه . والبر : الإحسان وكمال الخير . وأصله التوسع في فعل الخير . يقال : بر العبد ربه أي توسع في طاعته . والإنفاق البذل ، ومنه إنفاق المال . وعن الحسن : كل شيء أنفقه المسلم من ماله يبتغى به وجه اللَّه ويطلب ثوابه حتى التمرة يدخل في هذه الآية . والمعنى : لن تنالوا حقيقة البر ، ولن تبلغوا ثوابه الجزيل الذي يوصلكم إلى رضا اللَّه ، وإلى جنته التي أعدها لعباده الصالحين ، إلا إذا بذلتم مما تحبونه وتؤثرونه من الأموال وغيرها في سبيل اللَّه ، وما تنفقوا من شيء - ولو قليلا - فإن اللَّه به عليم ، وسيجازيكم عليه بأكثر مما أنفقتم وبذلتم . ولقد حكى لنا التاريخ كثيرا من صور البذل والإنفاق التي قام بها السلف الصالح من أجل رضا اللَّه وإعلاء كلمته ، ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أنس بن مالك قال : كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل ، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء - موضع بالمدينة - وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يدخلها ويشرب من ماء طيب فيها . قال أنس : فلما أنزلت هذه الآية : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون . . . ، قام أبو طلحة إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : يا رسول اللَّه ، إن اللَّه - تعالى - يقول في كتابه * ( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) * وإن أحب أموالي إلى بيرحاء ، وإنها صدقة اللَّه - تعالى - أرجو برها وذخرها عند اللَّه ، فضعها يا رسول اللَّه حيث أراك اللَّه . فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : بخ بخ - كلمة استحسان ومدح - ذلك مال رابح - أي ذو ربح - ذلك مال رابح . وقد سمعت ما قلت . وإني أرى أن تجعلها في الأقربين . قال أبو طلحة : أفعل يا رسول اللَّه . فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبنى عمه » « 1 » . قال القرطبي : وكذلك فعل زيد بن حارثة ، عمد مما يحب إلى فرس له يقال له « سبل » وقال : اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلى من فرسي هذه ، فجاء بها إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة باب الزكاة على الأقارب ج 2 ص 148 وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة ج 3 .